السبت، 3 سبتمبر 2016

مقال ديني

يقول أحمدبن حنبل "ماجاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي بن ابي طالب عليه السلام ... ويقول إسماعيل القاضي والنسائي وأبوعلي النيسابوري ، لم يرد في حق أحد من الصحابه بالاسانيد الحسان أكثر مما جاء في حق علي ......
.
. ما الذي جعل النبي يمدح علياً أكثر من غيره من الصحابه ..
لا شك أن علياّ كان من أعظم المناضلين المجاهدين في الحروب التي خاضها الاسلام في حياه النبي ... فعلي كان البطل المجلي في حروب بدر وأحد والخندق وخيبر وحنين ومن يدرس هذه الحروب دراسه إمعان وتمحيص يجد علياّ فيها بطلا مغواراّ لايشق له غبار ...
وقد قتل علي جميع من بارزهم كائناّ من كانوا حتي إنه إشتهر بين الناس في ذلك الحين :- أن عليّا لا يبارز أحداّ إلا قتله ..

الظاهر أن النبي أعجب بهذه البساله النادره  التي أبداها في خدمه النبي ودعوته فكان النبي يمدحه في كل مناسبه .
وتناول الناس هذا المديح من النبي وتداولوه وحفظوه . وربما أضافوا عليه من عندياتهم "كما فعل الشيعه"

.
.
. روي ابن حجر في في الصواعق المحرقه :-
أن عليّا دخل علي النبي صلي الله عليه وسلم ذات يوم وكان عنده عمه العباس . فقام النبي يقبل عليّا ثم قبله مابين عينيه وأجلسه علي يمينه . فسأل العباس النبي أتحبه؟ قال النبي ياعم والله ... لله أشد حباّّ له مني إن الله عز وجل جعل ذريه كل نبي في صلبه وجعل ذريتي في صلب هذا :-
.
. إشتكي بعض الصحابه إلي النبي ذات يوم من علي ..
فبدأ الألم علي وجه النبي . وقال ماتريدون من علي ؟ ماتريدون من علي؟ ماتريدون من علي؟ .. علي مني وانا منه وهو ولي كل مؤمن من بعدي ...
إذن كان علي قريب إلي قلب النبي والي عقله ايضا ..

فهو ربيبه وزوج ابنته من ناحيه ، وهو بطل من ابطال الجهاد في سبيل الله من ناحيه أخري .. وندر من الصحابه من نال عند النبي مثل هذه الحظوه التي نالها علي .... علي حسب تعبير العقاد في عبقريه الامام..

.
يقول العقاد أيضا .. إن النبي كان يحب عليّا ويحببه إلي الناس لكي يمهد له سبيل الخلافه من بعده .. والنبي في رأي العقاد لم يفرض رغبته هذه علي الناس ، إنما أراد أن يختاره الناس طواعيا وحبا ....
والعقاد يحاول بهذا الرأي أن يتوسط بين العقيدتين السنيه والشيعيه في قضيه الخلافه . وهو في الواقع رأي لايخلو من قوه :-
إن الشيعه يؤمنون بأن النبي أوصي بالخلافه لعلي  من بعده بشكل واضح وصريح لا مجال للمناقشه فيه ...
أما أهل السنه فيؤمنون بأن النبي لم يوصي لاحد بالخلافه وتركها شوري يختار الناس لها مايشاؤون ....
جاء العقاد برأي يحاول أن يوفق بين هاتين العقيدتين المتناقضتين ، فقال إن النبي أحب إستخلاف علي من صميم قلبه ، ولكنه لم يعلن ذلك صراحاّ ، فهو قد مهد ولمح لكي يحبب إلي الناس إنتخاب علي من بعده طواعيه وإختياراّ ...

ولكن هذا الرأي لايرضي الطرفين . والمشكله أن الطرفين لم يختلفا في شئ كما إختلف في هذا الموضوع ...
كان عليّا يري إنه الاحق بالخلافه . لكنه لما رأي الناس بايعوا ابوبكر بايعه معهم ...
فلما جاء خالد وابوسفيان يحرضانه علي الثوره علي ابي بكر طردهما ونظر في مصلحه الاسلام .. حيث أغفل مصلحته الخاصه ...

إنه إعتبر هذا التحريض ذا غايه شخصيه فأغمض عينيه عن الدنيا ....
وضرب بذلك مثلا رائعاّ في نزاهه القصد والتفاني في المبدأ...

يحكي أن فاطمه لامت عليّا علي سكوته هذا فقال لها وكان صوت المؤذن يجلجل في السماء آنذاك :-
لوشهرت سيفي لما سمعت إسم أبيك في أذآن بعد الان .......

أخلص علي لأبي بكر ولعمر من بعده
والظاهر أن علي لم يتألم لفوات الخلافه منه في عهد ابي بكر وعمر ...... ولعل فواتها منه بعد عمر هو الذي أثار أشجانه وحز في قلبه وله الحق في ذلك ..

المصادر:-
مسند الامام أحمد
الصواعق المحرقه. لابن حجر الهيثمي
فضائل الامام للامام النسائي صاحب السنن
مقدمه ابن خلدون
عبقريه الامام للعقاد

علي صوت العداله الانسانيه لجورج جورداق

علي إمام المتقين عبدالرحمن الشرقاوي

الاثنين، 29 أغسطس 2016

من روايات "محمد الدسوقي"

حينما سُئل "صلاح جاهين" عن زوجته، ومقدار حبه لها في برنامج إذاعيّ، أجاب :
" البنت دي فيها حاجة مختلفة؛ ذكية ولبقة وحساسة أنا بقي أموت في كده"
فــسأله المذيع:
- بتحبها ؟
رد عليه:
- حب ايه يا عم ! .. في ناس الحب خسارة فيهم .. وناس تانية الحب بيبقى ليهم مش قد المقام .. أهي البنت دي واحدة منهم .. مخلوق مختلف عيب لما الواحد يقول إنه بيحبها، لأن الكلمة دي اتقالت ملايين المرات في ملايين السنين عن ملايين الملايين من المخلوقات العادية اللي مفيهاش حاجة ولا ميزة من مزاياها .
______
هذا الكلام جميل ومنمق "ويشد القلب" ويجبر الخاطر.. قاله "جاهين" بهذا الأسلوب الفذ لأنه "جاهين"، وهذا مستواه في الحكي، ولا ريب أنه ترك أثرًا لا ينمحي في ذاكرة كل من سمعه أو قرأه.. لكني أخبرك أن "نظرة" واحدة حقيقية من عين زوج في عينيّ زوجة تفهمه فعلًا في لحظة صادقة قد تفوق في دقتها وبلاغتها كل ما قاله "جاهين" ومن سبقوه وحتى من أتى وسيأتي بعده، لأن هذا ما قد تحتاجه "هي" فعلًا .. ولا أكثر .. فلا تبخل ..

__
محمد الدسوقي

الأحد، 28 أغسطس 2016

عمر طاهر: عمالين نكش

ليس الجنيه وحده، نحن أيضا كمصريين (عمالين نكش).

كانت مقاسات البشر في الأربعينيات والخمسينيات أسطورية.

يمكنك أن تلاحظ هذا في مقاسات بيوت زمان، كان في كل بيت صالة ذات مساحة تستطيع بالكاد أن تستوعب حركة هؤلاء العمالقة.

بدليل أنك إذا سكنت واحدة من هذه الشقق حاليًا ستستطيع أن تربي في ناحية منها غية حمام تفتح أبوابها ليحلق الحمام في الصالة طول النهار ثم تقف حاملا العلم في آخر الصالة بنهاية اليوم حتى يعود الحمام إلى الغية سالمًا، ولا يضل الطريق في الصالة.

تأمل مقاسات البشر أنفسهم، لو أخذت حسين صدقى من فيلم العزيمة كما هو ووضعته في حلقة توك شو ستعتقد من حجمه أنه العميد السابق لحقوق القاهرة، عد به إلى الفيلم ستجده يا دوب طالب حصل على التوجيهية ويبحث عن عمل.

الأرواح نفسها كانت ضخمة، عندك مثلا أرواح السميعة كانت على قدر من الضخامة بحيث يشبعها بالكاد عشرة خمستاشر إعادة لمقطع واحد من أغنية للست أم كلثوم.

كانت كل المصالح الحكومية واللوكاندات ومقار الصحف في هذا الوقت تحتوي في مداخلها على مساحة ضخمة مهيبة يسمونها (البهو) .. ظل البهو يكش يكش حتى أصبح مجرد (ريسبشن) في وقتنا الحالي.

وفي شققهم كانوا يحتاجون لمساحة تناسبهم يطلون منها على الشارع، فكانت أسطورة (الفراندة)، وظلت تكش ونحن نكش حتى أصبحت مجرد بلكونة قد تستطيع أحيانًا أن تقفلها بالألوميتال ليقيم فيها أحد أفراد الأسرة المصاب بالأنيميا والتوحد.

عندك حجرة المسافرين، ومن الأخطاء الشائعة أن نعتقد أنها كانت مخصصة للمسافرين الضيوف القادمين من جهات بعيدة ،الحقيقة أنها كانت أوضة في نهاية الشقة لراغبي الهدوء من أهل الشقة نفسها، ولكن كان الذهاب إليها بمثابة سفر لذلك لقبوا من يقطنها بالمسافرين.

كانت مقاساتهم تكبر بسرعة، تأمل ماتشات الكرة في هذه الفترة .. كان اللعيبة يفصلون الشورتات الدمور قبل بداية الموسم على يد ترزية مهرة يجيدون ضبط المقاسات، لكن على بال ما يستلموا الشورتات يكونوا تعملقوا بزيادة لدرجة أن هذه الشورتات كانت تغطي بالكاد مفاصل أفخاذ اللعيبة .. لقد كانت "لباليب" هذا الجيل نقطة مضيئة في تاريخ الكرة المصرية.

هؤلاء الرجال العمالقة ماتوا خلال حرب الست سنوات، وظهر رجال الجيل الثاني وكانت مقاساتهم مدعاة للسخرية، لذلك حاولوا أن يعوِّضوا هذا الفارق بأفكار جلبت لهم مزيدًا من السخرية مثل أن يعملقوا السوالف أو يضيفوا إلى أطوالهم سنتيمترات بالشعر الهائش أو بالإفراط في مقاسات رجل البنطلون .. كان (الشارلستون) محاولة لإخفاء الطفرة السلبية في مقاسات الأقدام بعد أن انقرضت مقاسات أقدام جيل العمالقة التي استهلكوها في دك خط بارليف.

السبت، 27 أغسطس 2016

عمر طاهر : اهلا بكم في جمهورية انا مصري

جمهورية أنا مصرى لو احترفت اتحرق.
....
لماذا ننتم بجدارة إلى دول العالم الثالث ؟

بعيدا عن الفقر و مقياس الإقتصاديات و التعليم و احترام حقق الإنسان و الصحة إلى آخره، كل هذة الأمور تفاصيل تندرج تحت العنوان الأكبر و هو أننا دولة هواة.
فتش عن الإحتراف داخل هذا الوطن و أتحداك أن تمسك بملمح واضح له بداية من رئيس الجمهورية حتى الأطفال الواقفة على خط الملعب  المسئولة عن إحضار الكور الطائشة فى مباريات كرة القدم.
أمة من الهواة لا تمتلك خطة واضحة فى أى منحى يمكنها أن تحقق فى نهايته هدفا واضحا، لا أحد فى هذا البلد يعرف ما هو الطريق الذى لو سلكه إلى نهايته سيصل إلى محطة بعينها، كل الأمور الناجحة فى مصر تمت بمجهودات شخصية فردية يغلب عليها التوفيق و ضربات الحظ و التوفيق و إستغلال غباء و تكاسل و تراخ الآخرين، منطق الهواة هو الذى نتعامل به مع كل شىء من حولنا، مسخ الهواة قضية وزير التموين فى تردد صارخ بين منطقة القضية كفساد شخصى أو فساد عام، مسخ الهواة كل محاولات رفع شعبية رئيس الجمهورية التى تتآكل ببطء لكن بثقة، و كانت النتيجة عكسية يمكنك ملاحظة هذا فى إستفتاء المذيع المقرب على تويتر أو محاولات تهذيب و فلسفة تصريحات الرئيس الصحفية، ردود الرئيس نفسها شغل هواة يتحدث عن مستقبله السياسى بمنطق رضا الجماهير لا بمنطق طموح بعينه أو خطة مستقبلية واضحة، منطق الهواة كان باديا من أول لحظة تكلم فيها الرئيس الحالى بدون خطة واضحة و بفائض من المشاعر كان يخاطب أيضا فئة الهواة من الشعب التى سرعان ما اختارت و انحازت و تفانت فى الدفاع الأعمى بدون الوقوف لدقائق فى محاولة لقييم الأمور باحترافية لمعرفة كيف سيبدو المستقبل، هل تريد ما هو أبعد من ذلك ؟، ثورة يناير كانت ثورة هواة لم تشهد لحظة احترافية واحدة ( اللهم لحظة الاستمرار فى الميدان حتى سقوط النظام) لكنها كانت احترافية ناقصة لا تمتلك خطة واضحة لما بعد ذلك، مقاومة النظام القديم للثورة كانت مقاومة هواة أصلا خلت من فكرة واحدة ذكية تساعد على إحتواء الموقف، 30 يونيو كانت انتفاضة هواة لم تدرس جيدا ما بعدها و عندما فوجئت بالموقف كان التعامل يخلو من أى قدرة على التفكير المنطم الحكيم، و لازلنا حتى يومنا هذا نعانى من عدم احترافية التعامل مع الموقف، حتى الإخوان فى الفترة ما بين تولى الحكم و رابعة لم يقدموا فكرة واحدة ذكية تدعم وجودهم و اندماجهم فى الشعب و تذويب الغربة بينهم و بين الناس، الكلام عن فترة رئاسية جديدة قبل أن ينتهى نصف الأولى شغل هواة، شراء المحطات التليفزيونية و المواقع من أجل إخضاعها لسيطرة صوت واحد شغل هواة، الحبس و تكميم أية أفواه قد تعكنن على مزاج الرئاسة شغل هواة، الصحافة فى يومنا هذا يديرها الهواة المشغولون بالترافيك و أعداد القراء ولو على حساب المصداقية و باستخدام العناوين المجهلة الكاذبة، نشر الكتب و شغل الثقافة عموما يسيطر عليه هوس هواة البيست سيلر و الموضة و حجم اللايك و الشير.
القائمة طويلة، لم نتعامل مع أزمة كمحترفين يوما بداية من أزمة الغلاء و نقص العلاج مرورا بأزمة الدولار نهاية بأزمة فواتير الكهرباء، المكان الوحيد الذى يدعى الإحتراف كذبا هو ملاعب كرة القدم حيث يتم شراء و بيع لاعبين بملايين ليقدموا كرة بائسة فى ملاعب خاوية لا يحقق من ورائها أحد أية مكاسب إلا عواجيز استوديوهات التحليل الذين يقضون بالست ساعات يحللون هراء كروى.
يغيب الإحتراف عننا لأسباب كثيرة أهمها الذعر الذى يعيش فيه الناس، الخوف يعطل مفاتيح التفكير المنظم ، ولأنك لا تمتلك خطة أو رؤية واضحة تتعامل مع الأحداث (يوم بيومه)، وكل يوم يحمل كارثة جديدة الأمر الذى يجعل الذعر لا يتوقف و يستمر معه (التلويش) كما يليق بدولة تنتمى للعالم الثالث قلبا و قالبا.

الجمعة، 26 أغسطس 2016

عمر طاهر : بضهر الايد

النجاح ب ( ضهر الإيد)
هناك خبر (بايخ)، و آخر جيد
الأول أنه لا توجد وصفة محددة للنجاح في مصر، لا توجد وصفة لدرجة أنك تعيش في بلد النجاح فيه خطر مثل الفشل تماما.
لا يوجد طريق واضح تسلكه حتى نهايته فتصل إلى ما تريد.
الأمر لا يعرف أية قوانين واضحة و ثابتة حتى أن الواحد يندهش من كون الأعمال اللى كتبها ب(ضهر ايده) كناية عن نصف تركيز نصف حماس نصف إخلاص تحقق نجاحا يفوق تلك التي بذل الواحد فيها كل ما يقدر عليه من إخلاص و تركيز.
أما الخبر الجيد فهو كون عدم وجود كتالوج أمر مثير وممتع للغاية.
عندما تتابع فيلما كلاسيكيا تتوقع أحداثه و نهايته ستتابعه و أنت تجرى مكالمة تليفونية أو تتجول بين حسابات الأصدقاء على فيس بوك أو تطلب ساندوتش من كوك دور، لن يفوتك شيء، و المتعة ناقصة.
لكن عندما تتابع فيلما يصعب توقع أحداثه و كل دقيقة تتغير فيه الدراما و أحوال الأبطال و يختفى أشخاص و يظهر آخرون، ساعتها ستتابع بكامل تركيزك و ستغرق في المتعة.
كذلك النجاح، لن يكون ممتعا إذا كان الطريق واضحا للجميع و قواعده ثابته و كلاسيكية، ستكون قصص النجاح كلها نسخة واحدة يتغير فيها أسماء الأبطال و لا تتغير النهايات.
لكن الإثارة كلها في أن يكون نجاحك نسخة من شخصيتك، ولا يشبه أحدا.
لكن على هامش الفكرة هناك أشياء يجب على الواحد ألا يتجاهلها، عنصر الوقت مثلا، فالوقت (أغلى حاجة ببلاش)، و عندما تكبر لن تجد شيئا يستحق الندم عليه سوى الوقت الذى ضيعته في (ولا حاجة)، أن تعيش وقتك هذا أمر مهم، ليست هناك قواعد لإدارته سوى قاعدة واحدة، لا تضيع دقيقة دون استمتاع أو تحصيل معرفة أو سفر أو عمل علاقة جديدة أو مساعدة شخص أو حتى حفظ نكات جديدة تؤنس بها اصدقائك في الخروجة.
هناك أيضا فكرة مهمة بخصوص (التعب)، تعلم الواحد أن (التعب مابيروحش على الفاضى)، يدخر الواحد تعبه أحيانا لأنه يعتقد أن هذا الشىء لا يستحق كل هذا المجهود، و الحقيقة أن التعب هو الشىء الوحيد المضمون لأنه مدخرات طبيعية مثل الطاقة لا تفنى ول ا تستحدث من العدم، و ماتبذله من تعب للوصول إلى النقطة (1) في 10 ساعات لن يضيع إذا فشلت في الوصول لأنه قريبا جدا سيصل بك إلى النقطة (2) في ساعتين فقط، هذه معادلة أكيدة و على ضمانتى، (فماتستخسرش) تعبك، و لا تتعالى على ( الشقا).
النقطة الثالثة هي تحصيل المعرفة، أيا كان هدفك في الحياة لابد أن يكون ملحقا به هدف آخر و هو المعرفة، رصيد مضمون في الحياة، سيسعفك وقت الشدة، المعرفة هي الحياة أصلا، ومهما كنت ذكيا او موهوبا و تمتلك عقلا 180 حصانا، بدون مدخلات المعرفة لن يكون لك قيمة، دماغك الذهبية ما لم تقدم لها الخام الازم فلن تقدم لك ( قماش) أبدا، لست من محبى الجيم لكن إن كان ثمة تدريب يجب ان يقوم به الواحد فهو التدريب على الشغف، الفضول، عدم قبول الأمور على علاتها، رفض جملة (هي بتتعمل كدة)، المعرفة هي رصيدك في البنك و في رحابها يوجد (الستر).
لا طريق واضح، وهذا مثير، و الإثارة لن تتحقق سوى ب (الشقا) و حسن إدارة الوقت، و ستساعدك المعرفة في ذلك كثيرا.

عمر طاهر

كيف تعرف أنك قد كبرت؟
بعيدًا عن نهجان قد يصيبك وأنت تصعد السلم.
بعيدًا عن فشلك لثوانٍ في أن تتذكر اسم الشخص الذي يصافحك الآن بحرارة في الشارع.
بعيدًا عن شعيرات بيضاء أخذت طريقها أسفل الفك، أو انحسار عشوائي للشعر بعيدًا عن منبته القديم فوق جبهتك.
بعيدًا عن تجمع الأصدقاء الذي يضيع منه وقت كثير في الترحم على مَن فارق الجمع، واجترار حلاوة وجوده التي ضاعت للأبد بعد سنوات تضيع بقية السهرة في تحديد رقمها الصحيح.
بعيدًا عن زيارة أصبحت منتظمة للطبيب حاملًا ملف التحاليل.
بعيدًا عن أن لاعبك المفضَّل أصبح الآن ضيفًا ثابتًا في استوديوهات التحليل الكروية يرتدي بدلة كاملة كما يليق برجل في طريقه إلى الخمسين.
بعيدًا عن اللحظة التي تكتشف فيها أنك لا تستطيع التمييز بين المطربين الجدد كما كان يفعل أبواك بالضبط.
بعيدًا عن كل تلك اللحظات التي تقول لك أنك كبرت، يظل الشعور الحقيقي بالمسألة مرتبطًا بلحظة مفرغة لا حدث فيها.
مجرد رسالة عابرة يلتقطها العقل بدون مقدمات من مكان مجهول، تقول للواحد إنه تجاوز مرحلة ما في الحياة، بينه وبينها ما يكفي الآن لأن يتأملها بهدوء.
أقود سيارتى فوق كوبري السادس من أكتوبر بعد منتصف الليل ملتزما أقصى اليمين،مصابيح السيارة لا تعمل ،أنظر لهذا الاستهتار الطفولي بمتعة شديدة قوامها خليط من الغرور والنزق.
غياب الإضاءة كان يبدو لي وكأنه مغامرة مسلية تثير قدرًا من الونس حتى الوصول إلى المنزل في الناحية الأخرى من المدينة، لكن بدون مقدمات بدت المصابيح التالفة وكأنها رسالة، سألت نفسي: هل ترى الطريق جيدًا؟
كان الراديو يبث إعلانًا عن أغنية جديدة للمطرب اللبناني عاصي الحلاني اسمها «فرصة عمر». كان عنوان الأغنية ملهمًا، ولكن ما إن بدأت الأغنية حتى تبدلت الأحوال تمامًا، دخول موسيقى قوامه الكمانجات والكلارينت، قطبي التعبير عن العوالم القديمة التي أتت منها الروح، لذلك كان الانتباه موجعًا بعض الشيء.
إلى أين؟. أنا لا أرى الطريق جيدًا، ويبدو من عدم اهتمامي بامتلاك مصابيح سليمة أنني لا أعرف تحديدًا إلى أين، فكيف إذن سأعرف يوما أننى قد وصلت!
كانت السيارات التي تمتلك مصابيح سليمة تمر إلى جواري مسرعة بينما تفشل محاولاتي لإنزال زجاج باب السيارة العطلان لأستنشق نسمة هواء باردة، إلى أن استسلمت تمامًا للموقف، بينما الكلارينت يهبط بأنغامه تدريجيًّا ليفتح المجال أمام المطرب ليقدم نفسه: «فرصة عمر.. كل العمر».
توقفت تمامًا، وفتحت الباب بحثًا عن الهواء، واستمعت إلى الأغنية كاملة حتى انتهت. كانت المرَّة الأولى التي أستمع فيها إلى أغنية لعاصي الحلاني كاملة.
كانت الأغنية تعبر عن عاشق يرى في حبيبته الفرصة التي ستحيل حياته كلها إلى جنة، لكنه اختار أن يعبر عن ذلك بموسيقى تشرح العناء الذي خاضه حتى استقر على باب هذه الجنة. لم يستقر في القلب من الأغنية إلا إرهاق تلك الرحلة. أنا أشعر بإرهاق ما في هذه اللحظة لم أعرفه من قبل، أنا أيضًا لديَّ أحزان لم أتوقف عندها لأعطيها حقها من الانتباه. كانت قفزاتي أوسع مما يجب لدرجة أنني لم أتوقف لأتأمل ما سقط من جيوبى اثناء القفز، كنت ألهث دون أن أعطى شيئا واحدا فى حياتى حقه كاملا، و مثلما يسابق الكلارينت صوت الحلاني كنت أنا أسابق الحياة بحثًا عن شيء ما لا أعرفه. الآن تحديدًا يوجعني بشدة أنني لا أعرفه.. لقد كبرت.
فتحت صندوق الكهرباء، وأزلت مفاتيح المصابيح الفاسدة، واستبدلتها بأخرى سليمة من داخل الصندوق نفسه، وكان نتيجة ذلك أن استغنيت عن الراديو.
تحركت.
أعيد على نفسي أغنية حفظتها من أول مرَّة، في منتصف الكوبري أرى صورة الحلاني كبيرة ومكتوب تحتها: «فرصة عمر.. حاليًّا بالأسواق»، عاد الإلهام من جديد، كبرت بما يكفى لإتخاذ قرار فورى بإحياء المصابيح التالفة، أنا الآن أرى الطريق بصورة أفضل، بينما يلوح في مرآة السيارة الجانبية طفل تركته في النقطة التي توقفت عندها قبل قليل، وكلما ابتعدت كانت ابتسامته تزداد وضوحًا.